الشيخ محمد رشيد رضا

330

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وفسق إبليس قوله تعالى حكاية عن إبليس في سورة الإسراء ( 17 : 62 قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) حسده على هذا التكريم فحمله الحسد على الاستكبار والفسوق عن أمر اللّه كما صرحت به الآيات المختلفة في البة والكهف وغيرهما ويدل عليه جواب السؤال التالي . * * * قالَ ما مَنَعَكَ أن لا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ أي قال تعالى له ما منعك من امتثال الامر فحملك على أن لا تسجد لآدم مع الساجدين في الوقت الذي أمرتك فيه بالسجود ؟ واستدل علماء الأصول بهذا على أن الامر يقتضي الوجوب على الفور قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي منعني من ذلك انني أنا خير منه لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين والنار خير من الطين وأشرف ، ولا ينبغي للاشرف أن يكرم من دونه ويعظمه ، أي وان أمره بذلك ربه . وهذا الجواب يتضمن ضروبا من الجهل الفاضح ، ما أوقع اللعين فيها إلا حسده وكبره فإنهما يعميان البصائر ( الأول ) الاعتراض على ربه وخالقه كما تضمنه جوابه ومثله في هذا كل من يعترض على كلام اللّه تعالى فيما لا يوافق هواه ، وهذا كفر لا يقع مثله من مؤمن باللّه وبكتابه فان المؤمن إذا خفيت عليه حقيقة أو حكمة للّه في شيء من كلامه بحث عنها بالتفكر والبحث وسؤال العلماء وصبر إلى أن يهتدي إلى ما يطمئن به قلبه مكتفيا قبل ذلك بان اللّه تعالى يعلم ما لا يعلم من حقائق خلقه ، وحكم شرعه ، وفوائد أمره ونهيه ( الثاني ) : الاحتجاج عليه بما يؤيد به اعتراضه والمؤمن المذعن لا يحتج على ربه بل يعلم أن للّه الحجة البالغة ( الثالث ) : جعل امتثال أمر الرب تعالى مشروطا باستحسان العبد له وموافقته لرأيه وهواه ، وهو رفض لطاعة الرب ، وترفع عن مرتبة العبد ، وتعال منه إلى وضع نفسه موضع الند ، وهو في حكم الدين كفر ، وفي العقل حماقة وجهل . فان الرئيس لاية حكومة أو جيش أو جمعية أو شركة إذا كان لا يطيعه المرءوسون له الا فيما يوافق أهواءهم وآراءهم لا يلبث أمرهم أن يفسد بأن تختل الحكومة وتسقط ، وينكسر الجيش ويهلك ، وتنحل الشركة وتفلس ، وهكذا يقال في كل مصلحة يقوم بإدارتها كثرة ، يرجع نظامها إلى جهة وحدة ، كبوارج الحرب وسفن التجارة ومعامل الصناعة ، فإذا كان الصلاح والنظام في كل أمر يتوقف